ابراهيم بن عمر البقاعي
288
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وقع لمن قبلهم ، ودل على هذا المقدر بقوله مستأنفا : ما أَتَى الَّذِينَ ولما كان الرسل إنما كان إرسالهم في بعض الأزمان الماضية ولم يستغرقوا جميعها بالفعل ، أثبت الجارّ في قوله : مِنْ قَبْلِهِمْ وعمم النفي بقوله : مِنْ رَسُولٍ أي من عند اللّه إِلَّا قالُوا ولو بعضهم برضا الباقين : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * لأن الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم ، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء كانت « أو » للتفصيل بأن بعضهم قال واحدا وبعضهم قال آخر ، أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما يعجز عنه كثير من الناس ، والمجنون بالضد من ذلك ، ثم عجب منهم بقوله : أَ تَواصَوْا بِهِ أي أوصى بهذا بعض الأولين والآخرين بعضا . ولما ساق هذا في أسلوب الاستفهام إشارة إلى قول ينبغي السؤال عن سببه لما له من الخفاء ، أجاب عنه بأنهم لم يتواصوا به لأن الأولين ما اجتمعوا مع الآخرين : بَلْ هُمْ اجتمعوا في وصف أداهم إلى ذلك . وهو أنهم قَوْمٌ أي ذوو شماخة وكبر طاغُونَ * أي عالون في الكفر مسرفون في الظلم والمعاصي مجاوزون للمقدار ، وأشار بالضمير إلى أن الطغيان أمر ذاتي لهم ، فهو يمدح منه سبحانه بأنه هو الذي قهرهم بسوقهم إلى هلاكهم بقدرته التامة وعلمه الشامل . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم ، يكاد يتلف نفسه الشريفة - بأبي هو وأمي - غما عليهم وأسفا لتخلصهم عن الإسلام وخوفا أن لا يكون وفي بما عليه من التنبيه والإعلام ، سبب تعالى عن حالهم قوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ فَما أَنْتَ بسبب الإعراض بعد الإنذار بِمَلُومٍ * أي بمستحق الملامة بسبب إعراض من أعرض منهم عنك ، فإني إنما حكمت بذلك لأني إنما قسمت الناس إلى مؤمن تنفعه الذكرى ، وطاغ لا ينفعه شيء ، ولذلك قال : وَذَكِّرْ أي بالرفق واللين ، ولما أصروا على التكذيب والإعراض حتى أيس منهم ، أكد ما سببه عن التذكير بقوله : فَإِنَّ الذِّكْرى أي التذكر بالنذارة البليغة تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * أي الذين قدر اللّه أن يكونوا عريقين في وصف الإيمان ولا بد من إكثار التذكير ليغلب ما عندهم من نوازع الحظوظ وصوارف الشهوات ، مع ما هم مجبولون عليه من النسيان . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 56 إلى 60 ] وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 )